فخر الدين الرازي

421

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

حجة الشافعي : أن الواجب في هذه الكفارة أحد الأمور الثلاثة ، إما الإطعام ، أو الكسوة ، أو الاعتاق ، ثم أجمعنا على أن الواجب في الكسوة التمليك ، فوجب أن يكون الواجب في الإطعام هو التمليك . حجة أبي حنيفة : أن الآية دلّت على أن الواجب هو الإطعام ، والتغذية والتعشية هما إطعام بدليل قوله تعالى : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ [ الإنسان : 8 ] وقال : مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ وإطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك ، ويقال في العرف : فلان يطعم الفقراء إذا كان يقدم الطعام إليهم ويمكنهم من أكله . وإذا ثبت أنه أمر بالاطعام وجب أن يكون كافيا . أجاب الشافعي رضي اللَّه عنه : أن الواجب إما المد أو الأزيد ، والتغذية والتعشية قد تكون أقل من ذلك فلا يخرج عن العهدة إلا باليقين واللَّه أعلم . المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه اللَّه : لا يجزئه إلا طعام عشرة وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه لو أطعم مسكينا واحدا عشرة أيام جاز . حجة الشافعي رحمه اللَّه : أن مدار هذا الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه ، وما كان كذلك فإنه يجب الاعتماد فيه على مورد النص . المسألة الخامسة : الكسوة في اللغة معناها اللباس ، وهو كل ما يكتسى به ، فأما التي تجزى في الكفارة فهو أقل ما يقع عليه اسم الكسوة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة ثوب واحد لكل مسكين ، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وهو مذهب الشافعي رحمه اللَّه . المسألة السادسة : المراد بالرقبة الجملة ، وقيل الأصل في هذا المجاز أن الأسير في العرب كان يجمع يداه إلى رقبته بحبل ، فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الرقبة فك الرقبة ، ثم جرى ذلك على العتق ، ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقبات تجزيه . وقال الشافعي رحمه اللَّه : الرقبة المجزية في الكفارة كل رقبة سليمة من عيب يمنع من العمل ، صغيرة كانت أو كبيرة ، ذكرا أو أنثى ، بعد أن تكون مؤمنة ، ولا يجوز إعتاق الكافرة في شيء من الكفارات ، ولا إعتاق المكاتب ، ولا شراء القريب ، وهذه المسائل قد ذكرناها في آية الظهار . المسألة السابعة : لقائل أن يقول : أي فائدة لتقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل لا محالة . قلنا له وجوه : أحدها : أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداءة بالأغلظ ، وثانيها : قدم الإطعام لأنه أسهل / لكون الطعام أعم وجودا ، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف ، وثالثها : أن الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام ، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع في الضر ، أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته . ثم قال تعالى : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه اللَّه : إذا كان عنده قوته وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم